الثلاثاء، 13 أكتوبر 2020

أ.د. لطفي منصور


 

أ.د. لطفي منصور
أصحابُ الأَنٍفُسِ الكبيرَة:
لا تَقْتَنِعْ بِالكَسْبِ الحقيرِ، وَعِنْدَكَ فِكْرٌ وَعِلْمٌ وَدِرايَةٌ وَتَجْرِبَةٌ، وَمَقْدِرَةٌ وَتَصْمِيمٌ عَلَى السّّعْيِ الهادِفِ نَحْوَ الغايَةِ التي تَصْبو إلَيْهَا.
قَالَ نبوليون الكورسيكي الذي دَوَّخَ أوروبا وروسيا ودولَةَ المَماليكِ في مِصْرَ: إنَّ الْمَعالِيَ يُمْكِنُ تَحْقيقُها إذًا سَعَى الإنْسانُ وَراءَها سَعْيًا صَحيحًا متواصِلًا.
وَعِنْدَنا نَحْنُ العرَبَ أَمْثِلَةٌ كَثيرَةٌ عَلَى أناسٍ كانوا في الدَّرَجِةِ الأُولَى مِنَ السُّلَّمِ الاجتِماعِيِّ، وأخذوا يَصْعَدونَ بمواهبِهم وقُدُراتِهِم الّتي طَوّروها، حَتَّى وصَلوا إلَى أعْلَى الدَّرَجات، مِثْلِ عصامٍ حاجِبِ النُّعْمانِ بنِ المنذِرِ مَلِكِ الْحِيرَةِ، الذي قَالَ فِيهِ النّابِغَةُ الذُّبْيانِيُّ: مِنَ الرَّجَز
- نَفْسُ عِصامٍ سَوَّدَتْ عِصاما
وَعَلَّمَتْهُ الْكَرَّ وَالإقْداما
وباسْمِهِ اقْتَرَنَتِ العِصامِيَّةُ. وفِي الْمَثَلِ: "كُنْ عِصامِيًّا لا عِظامِيًّا"، والعِظامِيُّ هُوَ الذي يَصِلُ إلَى الْمَعالي بِعِظامِ آبائِهِ وأجْدادِهِ.
وَشاعِرُنا الكبيرُ المتنَبِّي قَدْ حَثَّنا عَلَى السَّعْيِ الموصِلِ إلَى الْغايَةِ العُلْيا، وعابَ أولَئِكَ الذينَ يَمْتَلِكُونَ الْقُدُراتِ ولا يتقدَّمونَ فقالَ:
وَلَمْ أرَ في عُيوبِ النّاسِ شَيْئًا
كَنَقْصِ الْقادِرِينَ عَلَى التََمامِ
الكَسْبُ الذي يُغَيِّرُ مَنْحَى حَياةِ الْفَرْدِ لَيْسَ الْمالُ فَقَط؛ الغِنَى بالمالِ يَكُونُ أحْيانًا مَضَرَّةً لِصاحِبِهِ إذًا لَمْ يُسْتَثْمَرْ بالطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ، وَيَعُودُ قسمٌ مِنْ رَيْعِها إلَى الصَّالِحِ العام.
الَكَسْبُ الموفي هُوَ المرتبطُ بِالْعِلْمِ الواسِعِ المتشَعِّبِ الذي يَتَناوَلُ أبْوابَ الرِّزْقِ كُلِّها، وَفِي الْقُرْآن: (رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا).
الفِلاحَةُ والزِّراعَةُ تحتاجانِ إلَى العِلْمِ والدِّرايَةِ بِطُرُقِهِما. الفلّاحُ الجاهِلُ يَبْقَى إنتاجُهُ ضَئيلًا، فَكَيْفَ يَزيدُ كَسْبُهُ؟ "وَشَرُّ ما يَكْسِبُ الإنْسانُ ما يَصِمُ".
الْكَسْبُ الْحَلالُ المُشَرِّفُ الوافي يحتاجُ إلَى جُهْدٍ مُضْنٍ وَمُتْعِبٍ ونَفْسٍ تَطْمَحُ إلَى المعالي، كما قَالَ الشّاعِرُ الكبير:
- فَإذا كانَتِ النُّفوسُ كِبارًا
تَعِبَتْ في مُرادِها الأَجْسامُ
أصْحابُ النُّفوسِ الكبيرَةِ لا يَقْبَلونَ أنْ يَعيشُوا في الظِّلِّ، إنَّهُمْ يَسْعَوْنَ لِيُصْبِحوا في العلياءِ. وَلَوْ كَلَّفَهُم ذَلِكَ حَياتَهُمْ. ولنا مِثالٌ بِأَميرَيِ الشِّعْرِ العرَبِيِّ القديم اُمْرِئِ القيسِ وَأبي فِراسٍ الحَمَدانِيِّ.
كَثيرونَ مِنَّا يَعْرِفونَ قِصَّةَ امْرِئِ القَيْسِ الشّاعِر وصاحِبِهِ الشّاعِرِ ابنِ قَميئَةَ وكانا في طَريقِهِما إلَى قَيْصَرِ بِيزنطَة. فَأخَذَ ابْنُ قَميئَةَ يبكي مِنْ هَوْلِ الطَّريقِ والتَّعَبِ والمَرَضِ. فَأنْشَدَهُ امرُؤ القيسِ: مِنَ الطَّويل
- بَكَى صاحِبِي لَمَّا رَأَى الدَّرْبَ دُونَهُ
وَأَيْقَنَ أنّا لاحِقانِ بِقَيْصَرا
فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْك عَيْنُكَ إِنَّما
نُحاوِلُ مُلْكًا أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرا
وكانتِ النَّتيجَةُ أنَّ الاثنينِ قَدْ ماتا ولم يُحَقِّقا مُرادَهُما.
أمّا الأميرُ أَبو فِراسٍ فَقَدْ قَالَ في قصيدَتِهِ المشهورةِ التي مَطْلَعُها: مِنَ الطَّويل
أراكَ عَصِيَ الدَّمْعِ....
- وَنَحْنُ أُناسٌ لا تَوَسُّطَ عِنْدَنا
لَنا الصَّدْرُ دُونَ الْعالَمينَ أَوِ الْقَبْرُ
فَالْعَمَلَ الْعَمَلَ فالعُمْرُ قصير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عزه عدلي

# مصريه مصريه انا وبعشق سمار النيل اصل سماري بلون نهرها يشهد لكل جيل والنيل يعني نيله اللى مصنوع من الطينه فانا معجونه بيطينها منذ...